التغريب ودرس من التاريخ
عادل بن مبارك الفالح *
في البداية أحمد الله على أن منّ علينا بنعمة الإسلام و أن جعلنا مسلمين متبعين لسنة خير الأولين والآخرين . . . . أما بعد :-
فلقد زخر تاريخ أمتنا الإسلامية بحقبات تراوحت ما بين العز والذل ، وكل حقبة من هذه الحقبات لها ظروفها الخاصة التي ألمت بها إلا أن لديها جميعاً عاملاً واحداً مشتركاً وهو البعد عن دين الله أو القرب منه ، ففي حال العزة والتمكين نجد أن المسلمين متمسكين بتعاليم رب العالمين ، وفي حال الذل والهوان نجد المسلمين لاهين وغارقين في لجج المعاصي. هذا باختصار هو حال الأمة الإسلامية على مدار أربعة عشر قرناً بين مدٍ وجزر.
أحبتي في الله .. حتى نصف الدواء لا بد لنا من التعمق بتشخيص الداء ، فأمتنا عندما تتمسك بتعاليم الله وتطبق شريعته ترتقي إلى العلا ، والعكس صحيح ، فعندما نتتبع أخبار القرون المفضلة نرى أن ما أوصلهم إلى تسيد العالم هو التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وحينما نرى القرون التي تليها ترتفع تارة وتنخفض تارة نعرف أن الخلل قد أصاب البنيان و أنهُ لا بد من العودة الصادقة إلى أصل الأمر وهو دين الله والتمسك به .
في آخر مائتين سنة تقريباً من عمر الأمة الإسلامية ابتليت بداء يقال لهُ "التغريب" وهو داءٌ عضال يبدأ صغيراً ومع مرور الوقت ينتشر حتى يتمكن من سائر الأمة فينخر فيها ويأتي على بنيانٍ طالما تعب من قبلنا في بناءه .
ففي مصر حفظها الله من كيد الأعداء قام واليها في ذلك الوقت محمد علي باشا بإرسال وفد لفرنسا عاصمة الحضارة والحرية في ذلك الوقت ليتعلموا ما ينفع الأمة الإسلامية –حسب زعم محمد علي – وكان مع ذلك الوفد "واعظ" وهو رفاعة رافع الطهطاوي والذي رافق الوفد ليتأكد من أنهم لن يبتعدوا عن الجادة ، ولكن وللأسف عاد الوفد بأفكارٍ دخيلة على أمتنا لا يستطع الاحتلال إدخالها بالقوة ، وعاد "الواعظ" ليؤلف كتاباً قال فيه : (السفور والاختلاط ليس داعياً إلى الفساد ... والرقص على الطريقة الأوربية ليس من الفسق في شيء؛ بل هو أناقة وفتوة). وكان رفاعة الطهطاوي محسوباً على الأزهريين وعلماء الدين ، وللعلم فلقد قرأ الكتاب (محمد علي باشا) قبل نشره وبناء على تزكية له من الشيخ (حسن العطار) شيخ الأزهر ، أمر بطبعه ، وأصدر أمره بقراءته في قصوره ، وتوزيعه على الدواوين ، والمواظبة على تلاوته ، والانتفاع به في المدارس المصرية ، بل إنهُ أمره بترجمته للتركية . (عودة الحجاب ص27).
هذا الكتاب لرفاعة الطهطاوي هو باختصار نواة تغريب المرأة والمجتمع كيف لا وهو الذي دعا فيه بطريقة غير مباشرة لنزع حجاب المرأة ودعا فيه المرأة المصرية المسلمة والمحجبة والمقتدية بأمهات المؤمنين بالإقتداء بالمرأة الفرنسية الفاجرة المتبرجة .
و انتقلت هذه الوصفة التغريبية لبقية البلدان الإسلامية في ذلك الوقت وآتت ثمارها ونجحت نجاحاً باهراً للأسف، بالرغم من أن العلماء والناصحين حذروا من هذه الخطوة ومع ذلك لم يجدوا أذاناً صاغية فحصل ما حصل وما زالت أمتنا تتجرع مرارة ما صنعه بها محمد علي باشا وأشباهه من تفرقة وتضليل .
في مقالي هذه أناشد الجميع بدون استثناء بأن ينتبهوا مما يراد بهم وبأمتهم ، فالعاقل من اتعظ بغيره والتاريخ لم يُكتب لتُزين به أرفف المكتبات ، بل كُتب لنتعلم من أخطاء السابقين ولكي لا نقع بمثل ما وقعوا به فنرزح دهراً من الزمن تحت وطأة التغريب و أذنابه .
والله ولي التوفيق وحافظ المؤمنين من حبائل الشياطين.
* هيئة الجوف - سكاكا