خريطة الموقع
الأحد 5 سبتمبر 2010م

القبض على طبيب يختلي بامرأة في غرفة بإحدى استراحات الأفلاج  «^»  الهيئة قبضت عليها .. سقوط شبكة تُسوق الشعوذة بجازان  «^»  وفاة الشريف بن نويمي رئيس هيئة محافظة بدر السابق  «^»  بندة" تتراجع عن توظيف الكاشيرات.. ومسؤول بها لـ"سبق": تجنبنا الشوشرة  «^»  القبض على شاب ابتز فتاة في عرعر  «^»  عاجل : رفع الحجب عن موقع احتساب   «^»  «الهيئة» تطلق «فرق الدعم والمساندة» قريبا  «^»  برقية عاجلة من الشيخ «الحمين» بدخول «الهيئة» للأسواق والمنتزهات  «^»  "الهيئة " تحذر من الأفلام الهابطة ومسلسلات رمضان  «^»  الحمين يطلب من رجال الهيئة عدم تجاوز صلاحياتهم جديد الأخبار


المقالات
السياسة الشرعية والنظامية
الحسبة في عصر الأئمة السعوديين

د/ فهد بن ناصر الجديّد


الحسبة في عصر الأئمة (السعوديين)



د/ فهد بن ناصر الجديّد


من فضل الله - تعالى – على المسلمين أن جعلهم خير أمة أخرجت للناس ما داموا قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال - تعالى - : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) [ آل عمران : 110]).

والمتتبع لأحوال الناس في وسط الجزيرة العربية خلال القرون الثلاثة الماضية يلاحظ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الميزان الرئيس الذي تقوم عليه الدولة. فإذا قام الحكام بهذا الأصل العظيم من الدين اعتزت الدولة وساد الأمن وعظمت هيبتها أمام الدول المجاورة، وقد بيّن الله - تعالى – هذا التغيير في قوله : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) [الحج : 41، 42]. وإذا تهاون الحكام تغيرت الأحوال وغفل الناس عن المهمة الأساسية التي عاهدوا الله عليها، قال - تعالى - : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام : 44]. ومن الحكام الذين قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

الإمام محمد بن سعود – رحمه الله- :

تولى الإمام محمد بن سعود – رحمه الله - الحكم في الدرعية مدة أربعين عاماً، عاش منها المرحلة الأولى قبل مجيء الإمام محمد بن عبد الوهاب إليها، وتبدأ تلك المرحلة من عام (1139هـ - 1727م) إلى عام (1157هـ - 1744م)، وأوجز وصف لسيرة الإمام محمد بن سعود ما ذكره المؤرخ الشيخ حسين بن غنام إذ قال : (وكان الأمير محمد بن سعود في جاهليته بحسن السيرة معروفا، وبالوفاء وحسن المعاملة موصوفا، مشهور بذلك دون من هنالك) [مرجع 1 : 2/3].

وأما المرحلة الثانية فتبدأ في العام الذي جرت فيه البيعة بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب في عام (1157هـ - 1744م). واستمر الأمير مدافعاً عن الدعوة حتى توفاه الله في عام (1179هـ - 1765م).

ولما انتقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية وقابله الأمير محمد بن سعود اتفق الاثنان على القيام بخلافة الله في الأرض والمتمثلة في نشر التوحيد والجهاد ضد كل من يمنع تحقيقه، وكان مما دار بينهما ما قاله الأمير : (أبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعز والمنعة)، فقال الشيخ : (وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة "لا إله إلا الله" من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم).

قال ابن بشر : (ثم إن محمداً بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[2 : 1/12].

وعاش الأمير محمد بن سعود – رحمه الله- بعد هذه البيعة اثنين وعشرين عاماً مجاهداً في سبيل الله، وابتلاه الله بموت ولديه فيصل وسعود في إحدى المعارك الجهادية مع بداية الجهاد، ومع ذلك لم يتزعزع، بل واصل الدفاع عن الدعوة، وقبل وفاته كانت بلدة الدرعية مهددة بقوىً محلية من البلدان المجاورة، فصبر واحتسب الأجر حتى توفاه الله، فكانت العاقبة في ذريته إلى يومنا الحاضر. ويعد الجهاد في سبيل الله أعلى مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الإمام عبد العزيز بن محمد – رحمه الله- :

تولى الإمام عبد العزيز الحكم بعد وفاة والده في عام (1179هـ - 1765م)، واستمر في مواصلة الجهاد في سبيل الله حتى مكًن الله له معظم بلدان الجزيرة العربية. قال عنه المؤرخ عثمان بن بشر – رحمه الله - : (وكان عبد العزيز كثير الخوف من الله والذكر، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ينفذ الحق ولو في أهل بيته وعشيرته، لا يتعاظم عظيماً إذا ظلم فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه، ولا يتصاغر حقيراً ظُلم فيأخذ له الحق، ولو كان بعيد الوطن)[2 : 1/126]. وكان إلى جانب ذلك يكتب المواعظ، ويرسل الرسائل إلى البلدان المجاورة. ومن تلك الرسائل :

رسالته إلى الفرس والترك :

ذكر الإمام عبد العزيز في هذه الرسالة أن رجلاً جاء إلى الدرعية مع الحاج وأقام مدة طويلة ورأى ما عليه أهلها، وما يدعون إليه، ثم طلب من الإمام عبد العزيز أن يكتب رسالة إلى قومه، يوضح فيها مفهوم العبادة، فكتب الإمام رسالة شرح فيها معنى العبادة، وأنها حق الله على عبيده، وليس لأحد من عبيده شيء منها، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ثم قال - رحمه الله - : (ونأمر رعايانا باتباع كتاب الله وسنة رسوله وإقام الصلاة في أوقاتها، والمحافظة عليها، وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ونأمر بجميع ما أمر الله به ورسوله من العدل وإنصاف الضعيف من القوي، ووفاء المكاييل والموازين، وإقامة حدود الله على الشريف والوضيع، وننهى عن جميع ما نهى عنه الله ورسوله من البدع والمنكرات، مثل الزنى والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا وأكل مال اليتم، وظلم الناس بعضهم بعضاً)[3 : 216].

رسالته إلى أهل المخلاف السليماني :

جاء الشريف أحمد من جازان إلى الدرعية ورأى ما عليه أهلها من إقامة الدين الصحيح، وعلو شرائع الإسلام، فأعجبه ذلك ثم طلب من الإمام عبد العزيز أن يكتب رسالة إلى قومه، فكتب الإمام عبد العزيز رسالة طويلة، ذكر في مطلعها حال الناس قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكان مما قال : (فنحن قبل ذلك على ما عليه الناس من الشرك بالله من عبادة أهل القبور والاستعانة بهم والتقرب إلى الله بالذبح لهم وطلب الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات، وارتكاب الأمور المحرمات، وترك الصلوات وترك شعائر الإسلام، فهدى الله به من شاء من الأنام، وهو : الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له في آخرته المآب، فأبرز لنا ما هو الحق والصواب من كتاب الله المجيد، الذي (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت : 42]، فبين لنا أن الذي نحن عليه، وهو دين غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وغيرهم ودعوتهم، والتقرب بالذبح لهم والنذر لهم والاستعانة بهم في الشدائد وطلب الحاجات منهم، أنه الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه، وتهدد بالوعيد الشديد عليه، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه، قال الله – تعالى – (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء : 48]).

وبعد أن ذكر الإمام عبد العزيز حال أهل نجد قبل الدعوة السلفية، ذكر حالهم بعد ذلك، ومما قال : (إذا عرفتم هذا فاعلموا رحمكم الله – تعالى – أن الذي ندين الله به هو إخلاص العبادة لله وحده ونفي الشرك وإقام الصلاة في الجماعة، وغير ذلك من أركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[3 : 220].

رسالته إلى القاسمي :

أرسل الإمام عبد العزيز هذه الرسالة إلى أحمد بن علي القاسمي، ووضح له أن أصل دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته - عليهم السلام - هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة ثم أضاف أن من مذهب أهل البيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالة المحرمات، ثم ختم رسالته بقوله : (وأما ما ذكرت من كثرة جنودكم وأموالكم فلسنا نقاتل الناس بكثرة ولا قوة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ووعد من قام به النصر على من عاداه، فقال – تعالى – : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) [الحج : 41، 42])[3 : 224].

رسالته إلى السيد علي :

أجاب الإمام عبد العزيز في هذه الرسالة عن حاله وحال قومه قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنهم كانوا يدعون مع الله إلهاً آخراً، وفي الوقت نفسه كانوا يقيمون الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج وترك المحرمات ثم جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ووضح لهم حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل فقاموا مع الشيخ وناصروه ولكن قام الخصوم عليهم بالعدوان لمخالفتهم دين الآباء والأجداد. وفي ثنايا الرسالة وضح الإمام عبد العزيز بن محمد الفرق الجوهري بين الحكام من آل سعود وبين غيرهم من الحكام في البلدان المجاورة، فالشرائع والمحرمات معروفة للناس جميعاً، ولكن انفرد الحكام من آل سعود بأنهم يلزمون الناس بأداء الواجبات، ويمنعون الناس من المنكرات، وأما غيرهم من الحكام فيتركون للناس اختيارهم، فمن شاء ذهب إلى المسجد، ومن شاء ذهب إلى غيره من أماكن الفساد، ومما قال في ذلك : (ويكون عندك معلوماً أن الشرائع والمحرمات ما وقع بيننا وبين الناس فيها اختلاف، الذي عندنا زين عندهم زين، والذي عندنا شين عندهم شين، إلا أنَّا فضلنا عليهم بفعل الزين وغصب الرعايا عليه، وترك الشين وتقويم الحدود والتأديب لمن فعله)[3 : 230، 231].

الإمام سعود بن عبد العزيز – رحمه الله- :

تولى الإمام سعود الحكم بعد والده في عام (1218هـ - 1803م). وكان قائداً للجيش في عهد والده، وكانت أول مشاركته للجهاد وعمره سبعة عشر عاماً.

قال عنه ابن بشر : (وكان أول ما يصدر النصيحة بالوصية بتقوى الله – تعالى – ومعرفة نعمة الإسلام ومعرفة التوحيد والاجتماع بعد الفرقة، ثم الحض على الجهاد في سبيل الله، ثم الزجر عن المحظورات من الزنى والغيبة والنميمة وقول الزور والمعاملات الربوية وغير ذلك، وكل نوع من ذلك يأتي عليه بالأدلة من الكتاب والسنة وكلام العلماء). وقال عنه أيضاً : (وكان - رحمه الله تعالى – آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، كثير الحض على ذلك في مجالسه ومراسلاته للمسلمين) [2 : 1/167].
رسالته إلى الكتخدا علي بك :
سار الإمام سعود في عام (1213هـ - 1798م) لملاقاة الجيوش القادمة من الشمال بقيادة الكتخدا علي بك، والتقى الطرفان في الإحساء، وجرت بينهما مناوشات، ثم أرسل الإمام سعود رسالة طويلة في النهي عن الشرك والتبرؤ منه قبل التوحيد، وينكر عليه شيوع المنكرات في بلاده، ومما قال : (فإذا كانت هذه الحضرات الباطلة والمشاهد الملعونة والبنايات على القبور وصرف حق الله – تعالى - لها من دعاء وذبح ونذر وخوف ورجاء وسؤال ما لا يسأل إلا من الله تعالى والصلاة عندها والتمسح بها والهدايا إليها وما أشبه ذلك من الأمور الشنيعة القبيحة كل ذلك موجود عندكم ظاهراً، والذي لم يفعل ذلك فهو راض بفعله وذاب عن أهله بالمال واللسان واليد، وكذلك الصلوات الخمس متروكة، وكثير من الناس عندكم لا يصلون جمعة ولا جماعة ولا منفردين، والذين يصلون منكم كثير منهم يصلي في بيته منفرداً، والذي يصلي جماعة قليل من الناس ... وجميع أعمال البر غير الفرائض لم تكن لكم شعاراً، ولم تأمروا بها، وجميع القبائح عندكم ظاهرة)[3 : 201، 202].

رسالته إلى سليمان باشا والي العراق :

أرسل الإمام سعود بن عبد العزيز رسالة طويلة إلى سليمان باشا والي العراق ردّاً على رسالة الأخير، فذكر الإمام سعود أقوال أربعة من علماء المذاهب، وهم : الشيخ قاسم من الأحناف، والشيخ أبو بكر الطرطوشي من المالكية، والشيخ أبو شامة المقدسي من الشافعية، والشيخ أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وجميعهم اتفقوا على أنه يجب إزالة المنكرات مع القدرة عليها، ثم ذكر في رسالته : (ومنها : أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك، والطواغيت، بعد القدرة على هدمها، وإبطالها يوماً واحداً، فإنها من شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة؛ وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثاناً، وطواغيت، تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، والتبرك، والنذر، والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته)[3 : 229].
رسالته إلى يوسف باشا والي الشام :

وفي رسالة الإمام سعود إلى يوسف باشا والي الشام ذكر فيها حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ثم ذكر مسؤوليته في إلزام رعاياه بإقامة الواجبات وترك المنكرات، فكان مما قال : (ونأمر بإقامة الصلاة في أوقاتها بأركانها وأحيانها، ونلزم جميع رعايانا ومن هو تحت طاعتنا بذلك، ونأمرهم بإيتاء الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية المذكورة في سورة "براءة"، وبصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمرهم أن يعرفوا فضل الله ومنته ومعروفه، وننهي عن المنكر من الزنى والسرقة وشرب الخمر والحشيشة، وما يشاكلها وأكل أموال الناس بالباطل، ونأخذ الحق من القوي للضعيف، وننصف المظلوم من الظالم، وننهى عن سائر المنكرات، ونزيل البدع السيئات المحدثات)[3 : 216].

رسالته إلى أهل نجران :

كتب الإمام سعود هذه الرسالة إلى أهل نجران وأرسلها مع رجل من أهلها موضحاً المنهج الذي سار عليه، ومما جاء فيها : (ونخبركم أننا متبعون لا مبتدعون، نعبد الله وحده لا شريك له، ونتبع رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يأمر به، وينهى عنه، ونقيم الفرائض، ونجبر من تحت يدنا على العمل بها، وننهى عن الشرك بالله، وننهى عن البدع، والمحرمات، ونقيم الحدود، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونأمر بالعدل، والوفاء بالعهود، والمكاييل، والموازين، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، هذا وصف ما نحن عليه، وما ندعو الناس إليه) [3 : 265].

رسالة أولى إلى من يراه من المسلمين :

ومن رسائل الإمام سعود الوعظية إلى من يراه من رعاياه، جاء فيها : (وأنتم تعلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة ... وأنا ملزم كل أمير وكل مطوع وكل صاحب دين يخاف الله ويرجوه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يقوم على الناس في جميع ما ذكرنا من المسائل التي ذكرت وغيرها من جميع المنكرات، ويقومون على الناس في تعلم دينهم وأداء ما فرض الله عليهم ... وأنا آمر هؤلاء الذين معهم الورقة أن يختاروا من أهل كل بلد ثلاثة من أهل دين وأنا ملزمهم بتتبع التجار والفلاحين في مسألة المبايعة، ومن فعل شيئاً مما بيَنَاه في هذه الورقة فعليهم أن يبينوه للأمير، فإن كان الأمير ما قام وأدب أدبت الأمير وأدبت الفاعل)[3 : 243].

رسالة ثانية إلى من يراه من المسلمين :

وفي رسالة أخرى إلى من يراه من رعاياه يؤكد فيها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومما جاء فيها : (وأنا أخاف عليّ وعليكم خوفاً شديداً من عدم العمل ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك بعض الأمر خوفاً من أمر يجب عليكم فتقع به مضرة، وأنتم خابرون أني ملزم الأمير يقوم الناس في أمور دينهم من حيث الجملة من تعلم وتعليم، ويقوم على الناس في قمع من جرى منه شيء يستوجب إن كان الأدب فيه حكم شرعي أو حد لزمه الإمضاء، وإن كان الأدب غير أدب يعهده على قدر ما يردع أرباب المعاصي، والقوامة على الناس في تفريق الرديين ... والقوامة عليهم في بخس المكاييل والموازيين ومن مداخلة الربا في البيوع، وبخس الزكاة أو إعطائها من أرذل المال)[3 : 247].

رسالة ثالثة إلى من يراه من المسلمين :

وفي رسالة ثالثة إلى من يراه من رعاياه، جاء فيها : (ومن أكبر البلوى وأعظم الدواهي الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله، وعدم التعاون على البر والتقوى، وعدم إنكار المنكر، قال الله – تعالى - : (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة : 79] ... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة، وهو سبب النجاة، قال الله - تعالى – في الذين احتالوا على الله في الصيد : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف : 165] وأنتم تعرفون مع كونه أنه فريضة أنه مؤكد على رقابكم، ولابد أن يسألكم الله عنه، فالحذر الحذر من سخط الله وسطوته)[3 : 254].

رسالته إلى أهل الدرعية :

وفي عام (1224هـ - 1809م) وصلت حدود الدولة التي يحكمها الإمام سعود معظم أرجاء الجزيرة العربية، وتدفقت الأموال والخيرات على الناس، وصار الناس ينتقلون من بلدانهم إلى العاصمة الدرعية للعيش بها، ولكن أهل الدرعية تقاعسوا عن القيام بتعليم الناس أمور دينهم، وانشغلوا بالحياة الدنيا، فجرت عليها سُنة الله – تعالى – لمن تخلى عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانتشر الوباء بين الناس، واستمر الحال أكثر من أربعة أشهر، ومات خلق كثير من السكان الذين انتقلوا من البلدان الأخرى إلى العاصمة الدرعية، حتى بلغت الوفيات في اليوم الواحد ما بين الثلاثين والأربعين نفساً، وقد تنبه الإمام سعود لهذا الأمر الخطير فكتب نصيحة بليغة، جاء فيها : (ولا يستقيم دين، ولا يُعبد الله على مراده إلا بالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبلادكم صارت مجمعاً للناس وامتلأت من سائر البلدان، وحدث فيها أمور يكرهها الله ورسوله، ويغضب منها الذي عنده رائحة للدين، ويخاف من اليوم الآخر. وأنتم اليوم أسقطتم عن أنفسكم هذه الفريضة؛ بسبب المداهنة وطلب رضا وجوه الخلق ... والذي أحاذر عليكم اليوم معصيتكم الله في عدم إنكار المنكر، وعدم الغضب لله ... فيكون عندكم معلوماً أن الله موجب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[3 : 259].

ويبدو أن القلوب قد ركنت إلى الدنيا وصعب على الناس القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبعد عامين من هذه الموعظة وردت الأخبار إلى الدرعية بهجوم عساكر الترك على بلدة ينبع وأخذها، ثم اتجهوا إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأحكموا السيطرة عليها وواصلوا تقدمهم إلى بقية البلدان.
الإمام عبد الله بن سعود – رحمه الله- :

وفي مرحلة عصيبة من تاريخ الدولة السعودية الأولى تولى الإمام عبد الله الحكم بعد والده في عام (1229هـ - 1814م) واستمر حكمه أربع سنوات إلى عام (1333هـ)، وهو العام الذي جرت فيه الحرب مع جيوش إبراهيم باشا حتى تمكن الباشا من هزيمة أهلها، وأسر الإمام، وفي تلك الأثناء لم يذكر المؤرخون أي رسالة موثقة للإمام عبد الله.

قال عنه المؤرخ ابن بشر : (وكان عبد الله ذا سيرة حسنة مقيماً للشرائع آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، كثير الصمت حسن السمت باذل العطاء، ولكن لم يساعده القدر)[2 : 1/211].
الإمام تركي بن عبد الله – رحمه الله- :

جاء الإمام تركي بن عبد الله بعد الدمار الذي لحق بالبلاد من القوات الغازية وما أصابها من اضطراب الأمن وانتشار الفوضى، وقد وصف المؤرخ عثمان بن بشر الأوضاع في الدولة السعودية بعد سقوط الدرعية بقوله : (وانحل فيها نظام الجماعة والسمع والطاعة، وانعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى صار لا يستطيع أحد أن ينهى عن منكر أو يأمر بطاعة ... وصار الرجل في لا ينام بيته، وتعذرت الأسفار بين البلدان، وتطاير شرر الفتن في الأوطان، وظهرت دعوى الجاهلية بين العباد... فلم تزل هذه المحن على الناس متتابعة وأجنحة ظلامها عليهم خاضعة حتى أتاح الله لها نوراً ساطعاً وسيفاً لمن أثار الفتن قاطعاً، فسطع به من كشف الله بسببه المحن، وشهره من غمده في رؤوس أهل الفتن، الوافي بالعقود تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، أسكنه الله – تعالى - في أعلى الجنان، وتغمده بالمغفرة والرضوان)[2 : 212، 213].

وعندما تولى الإمام تركي بن عبد الله – رحمه الله - كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدعائم الرئيسة التي اهتم بها لإعادة بناء الدولة، وكان مما قال : (ولكن الأكبر عدم إنكار المنكر، وتزيين الشيطان لبعض الناس أن كلاّ ذنبه على جنبه. وفي الحديث : "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليعمّنّـــكم الله بعقابه)[2 : 2/58].

ولم يكن الأمر بالمعورف والنهي عن المنكر مقصوراً على الشعائر التعبدية، بل شمل المعاملات التجارية بين الناس وعدم التطفيف في الكيل والوزن، ومما قال في ذلك : (وكذلك المكاييل والموازين، وأنا ملزم كل أمير أن يحضر مكاييل بلده، كبارها وصغارها وينظر إلى الخلل، وتكون على مكيال واحد، وكذلك تفعلون بالموازين، وتفقدوا الناس في كل شهر، ولا يحل بخس الكيل والميزان، ولو كانت المعاملة مع ذمي ... وكذلك تفقدوا الناس عن المعاشر الردية، والذين يجتمعون على شرب التتن والنشوق به).

ولم يقف اهتمام الإمام تركي عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى هذا الحد، بل بلغ به الأمر أن يتوعد المنافقين الذين يتطاولون على رجال الحسبة، ويهددهم بالنفي من وطنهم إذ قال : (وأنا مطلق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، إذا كان عن علم ينصح أولاً، ويؤدب ثانياً، ومن عارضه من خاص أو عام، فتأديبه الجلاء عن وطنه، وهذا من ذمتي في ذمة كل من يخاف الله واليوم الآخر).
الإمام فيصل بن تركي – رحمه الله- :

تولى الإمام فيصل بن تركي الحكم في المرحلة الأولى في عام (1250هـ) واستمر إلى عام (1254هـ)، وأما في المرحلة الثانية فقد تولى الحكم منذ عام (1259هـ) إلى عام (1282هـ). ومن أهم ما حصل في المرحة الأولى أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن كتب رسالة إلى الإمام فيصل، ونصحه بتعيين أهل الدين وإبعاد أهل الفساد، وربط الموضوع بإقامة الملك من زواله، ومما قال في ذلك : (فلو حصل ذلك لثبت الدين وبثباته يثبت الملك، وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم يزول الملك ويضعف الدين) [4 : 1/321-325]، وبدأ واضحاً أن الإمام فيصل لم يعمل بهذه النصيحة، فبعد سنتين هاجمت العساكر المصرية بلدان نجد للمرة الثانية وهزمت أهلها وأُسر الإمام فيصل وأُرسل إلى مصر، ومكث في السجن خمس سنوات تقريباً.
رسالته الأولى إلى من يراه من المسلمين :

أرسل الإمام فيصل رسالة إلى من يراه من رعاياه في بداية حكمه في أثناء المرحلة الأولى، جاء فيها : (وأهم الأمور تعلم ما فرض الله - سبحانه - من معرفة أصل دين الإسلام وأركانه وواجباته ومعرفة شرائعه ومعرفة ذلك بالكتاب والسنة، وقوام ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد في كل ناحية من طائفة متصدية لهذا الأمر ... وأنا ملزم كل من يخاف الله - سبحانه وتعالى – ويرغب في الفلاح أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يكون الآمر مراعياً للشروط في ذلك، بأن يكون عليماً فيما يأمر به، عليماً فيما ينهى عنه، وألزم كل أمير أن يكون عونا لهم، وهم خاصته في الحقيقة، عوناً له على ما حمَّله الله من الأمانة) [2 : 2/66].
رسالته الثانية إلى من يراه من المسلمين :

وفي المرحلة الثانية من حكمه أرسل الإمام فيصل رسالة إلى من يراه من المسلمين، إذ قال فيها : (واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين وأركانه... فالله الله عباد الله؛ مراجعة دينكم الذي نلتم به ما نلتم من النعم وسلمتم به من النقم، وقهرتم به من قهرتم، فقوموا به حق القيام فجاهدوا في الله حق جهاده وعظموا أمره ونهيه، اعملوا بما شرعه، واعطفوا على الفقراء والمساكين وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) [2 : 2/105].

رسالته إلى حاكم البحرين :

أرسل الإمام فيصل رسالة إلى حاكم البحرين الشيخ راشد بن عيسى يحذره من الاستعانة بأهل البدع، جاء فيها : (من فيصل بن تركي، إلى الأخ الشيخ راشد بن عيسى - سلمه الله وهداه - : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد : فالموجب لتحريره، ما بلغنا من ظهور البدع في البحرين؛ بدعة الرافضة، وبدعة الجهمية، وذلك بسبب تقديم : حسن دعبوش، الرافضي، الجهمي، ونصبه قاضياً في البحرين، ومثلك لا يدخر النصح والتبيين لعيال : خليفة وغيرهم، وتعرف الحديث الصحيح : (أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق، ليهريق دمه) رواه ابن عباس [5]. وقد علمت أن الله أكرم نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - وخصه بصحبة خير خلقه، وخلاصة بريته، وقد أثنى الله على أصحاب نبيه في كتابه، ومدحهم بما هو حجة ظاهرة، على إبطال مذهب من عابهم، أو نال منهم وسبهم، كما هو مذهب الرافضة، قال - تعالى - : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) [آل عمران : 110] وقال : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) [التوبة : 117]، وقال : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح : 18]، وقد كانوا ألفاً وأربعمائة، أولهم وأسبقهم إلى هذه البيعة أبو بكر، وعمر؛ وعثمان، بايع له النبي - صلى الله عليه وسلم - مع غيبته، وهذا يدل على فضله، وثبات إيمانه ويقينه، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم منه ذلك، واستقر عنده، ولذلك بايع له، فضرب بيمينه على شماله، وقال : "هذه عن عثمان")[6 : 1/486].

الحرب الأهلية :

بعد وفاة الإمام فيصل بن تركي دخلت البلاد في الحرب الأهلية التي استمرت ثلاثين عاماً، وتعاقب على الحكم أبناء الإمام فيصل وهم : عبد الله وسعود وعبد الرحمن، رحم الله الجميع.

د. فهد بن ناصر الجديد

المراجع :
[1] روضة الأفكار والأفهام، مطبع الحلبي-مصر، طبعة 1، 1368هـ-1949م : 2/3.
[2] عنوان المجد في تاريخ نجد، مكتبة الرياض الحديثة : 1/12.
[3] تاريخ البلاد العربية السعودية، عهد الإمام عبد العزيز بن محمد، منير العجلاني : 216.
[4] مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، 1/321-325.
[5] صحيح البخاري، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق، رقم الحديث : 6882.
[6] الدرر السنية في الأجوبة النجدية، عبد الرحمن بن قاسم : 1/486.




لجينيات

نشر بتاريخ 20-06-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 4.46/10 (20 صوت)


 



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.ahtsab.com - All rights reserved


الصور | المقالات | الأخبار | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية