فضيحة MTV وغياب الوطنية
عبدالله الذيب*
بحكم عملي سابقاً في إحدى شركات المجموعة السعودية للأبحاث مديراً للتحرير ومسؤولاً عن إعداد البرامج الإخبارية التلفزيونية للقنوات الفضائية المشتركة مع الشركة، هناك نقطة مهمة جداً يجب التنبه لها من كل إعلامي أو صحفي يعمل في هذا المجال وهي أن القنوات الفضائية والحكومية الأجنبية تبحث عن الإثارة والبلبلة من خلال برامجها الإخبارية المختلفة، فدائماً ما تبحث عن قضايا مثيرة للجدل داخل السعودية سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أوغيرها، ومن خلال خبرتي السابقة في هذا المجال أجد على سبيل المثال بعض القنوات تطلب موضوعاً عن عمل المرأة في البنوك، وعند أخذ التصاريح اللازمة بالتصوير يكون هناك تواصل ما بين المعد في السعودية ومدير التقارير الإخبارية في القناة الفضائية خارج السعودية، ويطلب مدير التقارير طلبات إضافية أثناء التصوير، فإذا كان المعد أو مدير الإنتاج غبياً أو ينقصه شيء من الوطنية أو حتى طغى حب المال على قلبه فسيبيع كل شيء من أجل إرضاء مدير التقارير الإخبارية في القناة الفضائية بالخارج, ومنها يتم التلاعب في التقرير الإخباري وإظهاره بصورة مختلفة عما تم التفاهم عليه فيتحول إلى موضوع آخر أثناء بث التقرير الإخباري على تلك القناة ويظهر بصورة أخرى على أن المرأة السعودية مضطهدة حتى في العمل البنكي مثلاً.
يعدّ العمل الإعلامي والوسط الإعلامي بالتحديد، ثغرة لعملاء في الخارج إن لم يتم الوقوف على تلك الثغرة برجال على مستوى عالٍ من المهنية والدهاء والوطنية أيضاً، فبكل تأكيد سينتج لدينا مثل ما حدث في فضيحة برنامج MTV الشهيرة. الإعلامي أو الصحفي يجب أن يكون وطنياً محباً للوطن ملتزماً بالثوابت الدينية والاجتماعية حتى لا يخترق الوطن عن طريقه وتُبث رسائل وصور تؤثر في السياسات الوطنية أو تتعدى على الثوابت الوطنية خصوصاً بعد أن أصبح الفضاء مفتوحاً وتعددت القنوات، بل إن هناك قنوات أجنبية بدأت تتحول للغة العربية من خلال افتتاح أقسام عربية وتوظيف كوادر عربية.
أصبح العمل الإعلامي في الخارج عملاً جاسوسياً، إن صح التعبير، وكيف لا يكون جاسوسياً ونحن في كل يوم نرى قناة حكومية أجنبية تؤسس أقساماً عربية وتبث باللغة العربية ويكون لها مراسلون في الدول المستهدفة، إنها بكل تأكيد قمة العمل الجاسوسي المنظم، ولأن المؤسسات الحكومية السعودية الأمنية تتمتع بقدر عالٍ جداً من الكفاءة العالية في مكافحة الجرائم المنظمة والتجسس خصوصاً في اعتمادها بعد الله سبحانه، على كوادر بشرية مؤهلة جداً، وهذا ما لمسته من خلال تصوير حج العام الماضي أثناء السماح لنا بالتصوير في المطار؛ فقد تم تسهيل مهمة التصوير التي شاركت فيها، ومن خلال التخاطب الرسمي بيني وبين المسؤولين في المطار كان العمل بالفعل فيه احترافية ومتابعة ودون إحداث مشاكل لطاقم التصوير الأجنبي، وكنت أوجههم بناء على التعليمات حتى لا يصور الطاقم الأجنبي حاجاً في حالة غير مرضية ثم يتم التلاعب بالصورة وأخذها بطريقة أخرى، فعلى سبيل المثال كنت مع الطاقم الأجنبي أثناء التصوير للحجاج القادمين من الخارج، وأثناء التصوير سقط أحد الحجاج من التعب وفي لمحة عين بدأ الطاقم الأجنبي بالتركيز على الحاج وسقوطه، فأشرت إلى أحد المسعفين لإسعافه بسرعة؛ حيث إن المسعف تردد بسبب التصوير وتم إسعاف الحاج والعناية به أمام كاميرا المصور، ففي مثل هذه الحالة قد يتم استعمال مثل هذه اللقطة في تشويه صورة السعودية في بعض البرامج الإخبارية الخارجية، وبأن السعودية لا تسعف الحجاج، ولكن لنقطع أي سبيل لمثل هذا التلاعب يجب التصرف بشكل سليم أثناء الحدث، وألا تغفل عين مدير الإنتاج أو المعد عن أي شيء خصوصاً إذا كان التعامل مع قنوات أجنبية.
إذًا كيف يتم العمل الجاسوسي من خلال القنوات الفضائية الأجنبية؟ في الحقيقة أن وسائل الإعلام الأجنبية في السعودية تحظى بدعم كامل من كل الجهات والمؤسسات الحكومية؛ وذلك لأن المؤسسات الحكومية على أعلى مستوياتها تريد أن تتعامل بشفافية، وأن تمنح وسائل الإعلام المختلفة المزيد من هامش الحرية، وترفع من الوعي الاجتماعي والدولي حول سياسة المملكة العربية السعودية المفتوحة، ومن هذا المنطلق يتم تسهيل مهمة الكثير من الإعلاميين الأجانب القادمين من الخارج أو حتى لمن يقدم لهم الخدمة داخل السعودية من خلال شركات الإنتاج والبث التي لا يملك أكثرها تصريحاً رسمياً بالبث من خلال أجهزة البث الفضائي للأقمار الصناعية. في الحقيقة إن الإعلاميين في المؤتمرات الصحفية الكبرى يتم التحقق من هوياتهم وانتمائهم إلى وسائلهم الإعلامية، ويتم التحقق من الأجهزة الإعلامية التي بحوزتهم، وهذا إجراء قانوني يحدث في كل الدول، ولكن تبقى ثغرة وهي أن الإعلاميين عادة ما يفتحون الكاميرات أثناء تنقلهم من وإلى المكان المحدد ويقوم الإعلامي بالتسجيل دون علم المسؤولين، بل ويأخذ أحياناً لقطات في أماكن يمنع فيها التصوير منعاً باتاً، وأحياناً أخرى تكون الكاميرا في أماكن غير ملاحظة بالعين المجردة ومن هنا يبدأ العمل الجاسوسي.
وعندما يحصل الصحفي أو الإعلامي على تصوير فيديو ساعة كاملة على سبيل المثال فبإمكانه أن يختلق قصة إخبارية من خمس دقائق تختلف تماماً عن الواقع الذي صوّره. أصبح العمل الإعلامي في السعودية خصوصاً المرتبط بالإعلام الجديد أو ما يسمى بـMulti Media والصحف الإلكترونية، أصبح من أهم الأعمال التي بدأت تشد البساط من تحت عمالقة الإعلام القديم، فالتصوير بكاميرا الفيديو العادية أصبح يقارب جودة أضخم الكاميرات وأغلاها ثمناً، ولقطة واحدة في اليوتيوب قد تقيل وزيراً بل إن خبراً صغيراً في صحيفة إلكترونية قد يؤثر في بعض المؤسسات ويجعلها تعدل عن قرار تم اتخاذه، ومن أجل كل هذا إذا افتقد الإعلامي الوطنية والحس الوطني أو حتى كان ساذجاً أو كما نقول- نحن السعوديين- "مفهي" فسوف يكون ثغرة يمكن استغلاله لتمرير مستندات مرئية عبر الأثير.
صحفي (سبق)