"الهيئة" .. بين كشف الأسرار وحفظها
د. خالد محمد باطرفي
تورطت فتيات مع شباب إما بتسليمهم طواعية صور ورسائل توثق علاقة محرمة، أو بتسربها عن طريق الجهل بالتقنيات الحديثة، أو ضعف الحرص والتحوّط، أو سرقتها من قبل مهندسي جوالات أو صديقات السوء، ثم لم يجدن، عندما حاول الشباب استغلال هذه الوثائق آمن من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجهة المسئولة عن حمايتهن من أنفسهن والآخرين، والتي طالما اتُهمت (بحق في كثير من الأحيان) بالمبالغة في استخدام الصلاحيات والشك الذي يصل إلى حد الهوس المرضي، وباليد الثقيلة في التعامل والتدخل المبالغ فيه للـتأكد من صحة الشكوك.
لم تلجأ الفتيات إلى أسرهن أو أقاربهن ولا حتى إلى الجهات القضائية أو الأمنية لحمايتهن ولسترهن، بل إلى الهيئة التي تُلام في كثير من الأحيان على كشف الستر، ويهابها بالذات "المتورطات" في علاقات تحاربها الهيئة.
لماذا ولمَ تتحمس الهيئة لضبط الشباب والتجاوز عن الفتيات؟ هل لأنهن تقدمن بأنفسهن معترفات بذنبهن (بالنسبة للمتورطات)؟ لماذا لم تحقق الهيئة مع كل من تلجأ إليهن وتناصح من يثبت عليها ولو نسبة من الخطأ، كالمحادثة أو حسن الظن بالغريب، كما تفعل مع من تقع منهن تحت يدها؟ أو هل هي تفعل، ثم تصفح وتعين وتستر؟
في كل الأحوال يبقى أن الهيئة بكل ما تتهم به من حماس زائد وسؤ ظن يقدم في كثير من الأحيان على حسنه، وشدة في التعامل تزيد عند البعض على ما يتلازم مع طبيعة العمل من المناصحة والمجادلة بـ"التي هي أحسن"، تبقى الملجأ الآمن لكل ضحية، حتى ولو استحقت الضحية بأخطائها شيئا مما أصابها. وهذا تطور مهم يحسب لأهل الحسبة، ويؤكد أن المجتمع، حتى أكثر فئاته نقدا لدور الهيئة وأدائها، يجمع جل أطراف الجدل فيه على أهمية الحسبة ونقاء وشهامة معظم رجالها والقائمين عليها والحاجة الماسة إليهم لمواجهة الأمراض الاجتماعية وكف أذى مرضاها، وإن كان العلاج لا يزال ليس من ضمن مسئولياتها (على الأقل المطبق منها).
مبروك للهيئة نجاحها في كسب هذا القدر من الثقة، وأمل أن يدعوها هذا النجاح إلى إعادة ترتيب أوراقها وأولوياتها ليكون التعامل والنصح بالحسنى والستر وإغاثة الملهوف مع الحفاظ على سره هو المقياس الذي تفرز فيه كل الأنشطة فلا يبقى منها إلا ما يتوافق مع هذه المبادئ والمثل العليا.
ولتستبعد من أنشطتها ماقد يؤدي إلى "سؤ الظن" بها ولا يحقق هدفا أسمى، كحملات التفتيش عن العلاقات المحرمة، والاصطحاب، والمتقاعسين عن الصلاة في المسجد، لما في ذلك من إهدار للطاقات المحدودة، وإنزلاق المتحمسين في الخلط والأخطاء، والتدخل في شئون شخصية أو تعبدية بين المرء وربه.
فليس من حق بشر أن يكون الرقيب على مالم يجاهر به المرء من دين وخلق. ولا أن يفتش عن خطيئة لم يفضحها الستار. ولا أن يكون الخصم والحكم والجلاد في آن.
وفق الله أهل الحسبة وأعانهم ونصرهم ونصر بهم ويسر لهم أسباب النجاح